عجاج الخير
كانت والدتي مريضة , ترقد الفراش لليوم السادس وكانت قريتنا قد أفرغت سكانها على منزلنا .. والغرف مليئة بالنساء , صغيرات منهن , شابات وعجائز..
كانت امي قد غابت عن الوعي كل النهار وكان القلق يدب في صدري بينما كنت العب مع صديقي هلال علي سطح الدار .
كنت قلقا على أمي فرحة , قلقا على أبي وأعمامي الذين لم يرجعوا من حرب الغزاة ورغم مرور اثنا وعشرون نهارا على ذلك .. كانت الأفكار تجرفني نحو الخوف من أن أبقى وحيدا .
ربحني هلال كل النهار فلم يعد لحياتي في تلك الأيام أي طعم .
استدرت ولسبب ما نحو الخلف وحدقت في الافق البعيدة فرأيت غيمة هائلة من العجاج تجتاح السهل متقدمة نحونا ..فلما اقترب ذلك الشيء لوحت جموع الفرسان التي تسابق الريح تشق التراب المتطاير تتوسطهم برقة فرس أبي شيخ حامد الأبيض .
كانت حنجرتي قد عجزت عن الصراخ وتنبيه القوم من شدة الفرح ولكنني أفلحت فيما بعد بالانفلات من الرجفان والشلل الذي انتابني , بالصراخ قائلا:
- أنه أبي .. رجالنا قادمون .. أبي قادم اماه .
قفزت على باحة البيت مسرعا الى امي كي ابلغها بالخبر السعيد قائلا:
- أماه أماه ..
فرأيتها تستفيق من وعيها وعلامات الرضى بادية عليها وهي تقول الحمدلله , حينها كانت كلمات الله أكبرالفرح تخرج من الحناجر الجميلة وجلبة خروج الناس الى الخارج , تهز أركان كل شيء ..